ابن قيم الجوزية
87
البدائع في علوم القرآن
الاهتداء ، وهو هدي التوفيق والإلهام . وهذا البيان نوعان : بيان بالآيات المسموعة المتلوة ، وبيان بالآيات المشهودة المرئية ، وكلاهما أدلة وآيات على توحيد اللّه وأسمائه وصفاته وكماله ، وصدق ما أخبرت به رسله عنه ، ولهذا يدعو عبادة بآياته المتلوة إلى التفكر في آياته المشهودة ويحضهم على التفكر في هذه وهذه . وهذا البيان هو الذي بعثت به الرسل ، وجعل إليهم وإلى العلماء بعدهم ، وبعد ذلك يضل اللّه من يشاء ، قال اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 ) [ إبراهيم ] فالرسل تبين ، واللّه هو الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعزته وحكمته . فصل المرتبة السابعة : البيان الخاص ، وهو البيان المستلزم للهداية الخاصة . وهو بيان تقارنه العناية والتوفيق والاجتباء ، وقطع أسباب الخذلان وموادها عن القلب ، فلا تتخلف عن الهداية البتة . قال تعالى في هذه المرتبة : إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [ النحل : 37 ] وقال : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] فالبيان الأول شرط ، وهذا موجب . فصل المرتبة الثامنة : مرتبة الإسماع . قال اللّه تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) [ الأنفال ] ، وقال تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ( 20 ) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ( 23 ) [ فاطر : 19 - 23 ] ، وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ ، فإن ذلك حاصل لهم ، وبه قامت الحجة عليهم ، لكن ذاك إسماع الآذان ، وهذا إسماع القلوب ، فإن الكلام له لفظ ومعنى ، وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلق بهما . فسماع لفظه حظ الآذان ، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب ، فإنه - سبحانه - نفي عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب ، وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن في قوله تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [ الأنبياء : 2 - 3 ] ، وهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه ، أو تمكنه منها . وأما مقصود السماع وثمرته والمطلوب منه فلا يحصل مع لهو القلب